اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

99

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

فإن تجربته هذه تستند على منهج المدرسة البابلية أو الإيرانية . ولكن فضله الأكبر يعود إلى أنه قد وضع في اللحظة المناسبة مصنفا فريدا في بابه كان له الأثر المباشر في تعميم الجبر على ممر القرون 4 . وقد كان للجداول الفلكية للخوارزمي حظ مماثل أيضا في تأثيرها البعيد المدى ، وهي ترتبط في جوهرها على ما يبدو بترجمة « السند هند » للفزارى التي شغل الخوارزمي كثيرا بدراستها وعمل منها نسخة مصلّحة . وكشأن أي مصنف يحمل اسم الزيج فإن جداول الخوارزمي قد احتوت على مقدمة فلكية وافية هي بمثابة نظرية في الفلك قائمة بذاتها 5 . ويقف دليلا على علاقة جداول الخوارزمي بالتراث الهندي الإيراني أن خط منتصف النهار الابتدائي يبدأ فيها عند الأرين وأن حساب الوقت فيها يسير وفقا لتقويم يزدجرد . هذا وقد أعاد الفلكي الأندلسي مسلمة المجريطى ( حوالي عام 398 ه - 1007 ) صياغه هذه الجداول ولكنه استعمل التقويم الهجري وجعل نقطة الابتداء خط منتصف النهار المار بقرطبة . ولم تصل إلينا هذه الجداول ، كما لم تصلنا الجداول المصلحة للمجريطى ، ولكن حفظت الترجمة اللاتينية للأخيرة بقلم اديلارد الباثى Adelard of Bath التي عملت عام 1126 . وهذا الوضع يؤدى بلا ريب إلى تعقيد مشكلة العلاقة بين كتاب الخوارزمي وتنقيحه للمجريطى ؛ وعلى أية حال فإنه يمكن القول بالكثير من الثقة إن الجداول الفلكية للخوارزمي في صورتها الجديدة للمجريطى كانت أساسا للمؤلفات الفلكية المتأخرة في أوروبا الغربية 6 . ورغما عن الأهمية البالغة لمؤلفات الخوارزمي فإن المعلومات عن شخصه شحيحة للغاية . ونتيجة لسهو معين في كتاب بروكلمان 7 فقد نفذت إلى الاستعراب الروسى فكرة مفادها أن الخوارزمي مؤلف الجغرافيا شخص عاش في القرن الحادي عشر وأنه لا علاقة له بالرياضى الفلكي الذي عاش في القرن التاسع 8 ؛ ومرد هذا الخطأ إلى أن تاريخ تدوين المخطوطة قد أخذ على أنه تاريخ تأليف الكتاب . ولا يعرف عن سيرة الخوارزمي بالتحديد سوى أنه كان ينتمى إلى دائرة فلكيى المأمون وأنه كان وثيق الصلة « بدار الحكمة » المشهورة وأخذ طرفا على ما يبدو في التجارب العلمية المرتبطة في بعض جوانبها بقياس محيط الأرض . وقد ورد آخر ذكر له مقترنا - - بوفاة الخليفة الواثق عام 232 ه - 847 9 ، ويلوح أنه قد توفى عقب ذلك بقليل . وقليل من الإلمام بمؤلفاته الرئيسية سيعاون في توضيح الصورة النهائية التي صاغ فيها الخوارزمي مصنفه الجغرافي المتعلق بمدار هذا البحث . يطلق على هذا المصنف اسم « صورة الأرض » وهي الترجمة المعهودة في ذلك العصر للفظ « جغرافيا » اليوناني 10 ؛ ولكن الكتاب قد حمل فيما يظهر عدة أسماء ، فمثلا يذكره أبو الفدا في القرن الرابع باسم « رسم الربع المعمور » 11 ؛ وتم تأليفه عقب وفاة المأمون بين عامي 221 - 836 ه و 232 ه - 847 كما أثبت ذلك بارتولد Bartold 12 . وقد حالف التوفيق فرين Fra ? hn فدلل بالكثير من قوة الحدس ، وذلك قبل اكتشاف المخطوطة ؛ على أن القطع المجهولة المؤلف التي يوردها أبو الفدا إنما ترجع إلى هذا المصنف